كلمة المجلس النسائي اللبناني
أ. د. أمان كبارة شعراني
في رثاء الفقيدة الغالية السيدة سليمى مولوي رئيسة جمعية التضامن الإجتماعي
كم هو صعب فقدان الأحبة !
هؤلاء الأحبة نغلق قلوبنا على ذكرياتنا معهم
في هذه اللحظة تستعيد الحياة الماضية زخمها
ونستجمع تفاصيل الحوادث والأصداء ..
فالمكان اليوم مكان الفقيدة الغالية السيدة سليمى مولوي الخطيب
لعلني لن آتي بجديد عما تكلموا من النخبة عنها وسوف يتكلمون عن جوانب حياتها الثرية بالعمل والنشاط وبالفكر إلاّ أنني ربما أستطيع أن أشيّع أطيافاً من خيالات ذكراها النبيلة في قلوب محبيها ، إلاّ أن عاطفة الوصف سوف تربك لغة الوصف .
عرفت السيدة سليمى مولوي مبكرا في سنين صباي ، وعلى أعتاب صباي ومن ثمّ في مراحل عمري المتقدمة .
التقيت بها أولاً في جمعيات طرابلس القليلة آنذاك في المجتمع الطرابلسي .شدني حضورها المميز بين الحاضرات الناشطات في العمل الخيري وجذبني اليها حديثها ،حديثها المنمق ، وبريق ذكائها والإبتسامة التي لا تفارق شفتيها ، وقد تقرن أحاديثها بحركات ناعمة متواصلة تنسجم مع البسمات المتواصلة ، تزيدها ظرفاً وتكسبها نعومة وسحراً .
اكتسبت خبرة التعامل مع جميع الأعمار ، كان لها خبرة موفورة في درس أخلاق الناس ، وتمرين ميسور في أساليب المعاملة والإرضاء ، فهي تعرف متى تتصل ومتى تنفصل وكيف .
إنطلقت في رؤيتك ايتها الغالية للعالم من مفهوم رحب للإنسانية ربما كنت تحتمين به ويليق بروحك الكبيرة وحسك المرهف الذي كثيراً ما عذّبك من شدة وطأة الفقر على الناس والفساد المستشري في مجتمعنا ، فكنت تلوذين برحابة صدرك للإنسانية ، لتصوني قيمة الإنسان ، ولتبقيها نقية ، ، خارج الحدود المصطنعة المضروبة كونها من التقاليد وأحياناً من التفسيرات الدينية الخاطئة .
هكذا تربيت وتثقفت في بيئة طرابلسية حضارية فجاء نتاج عقلك وروحك ليعمّق فينا الإحساس بضرورة التآخي والتراحم بين بني الإنسان من كل جنس ودين ونعلي فينا من قيم التسامح الذي كان مبعثها تسامحك الروحي وكراهيتك للتعصب ، فاستقيت من تربيتك الروحية الرضا والصبر والإيمان . لذلك نرى في هذا النوع من الشخصيات الغنية ، مزيجاً من عناصر الإنسانية جمعاً
تراكمت اهتماماتك في بلدك طرابلس ، وبخاصة في المناطق المحرومة .فنيت العمر جهاداّ في أصعب الظروف التي مرّ يها الشعب اللبناني . فنزلت الى ساحة الكفاح والنضال بصبر وإيمان لتحقيق الأحلام في سبيل قضية الوطن .
نهجتِ نهجاً ، أدبياً نجدها في كتاباتها بين الصيحات المنادية الى التحديث والتطوير ، بالعقل والإتزان الفكري الذي لا يرى قيامه للحاضر والمستقبل بدون الماضي . وكانت ثقافتها الواسعة تمتد لمواضيع كثيرة في خطبها الى معاني الأخلاق والمدنية والتحضّر . كانت واضحة لتمسكها باللغة العربية الصحيحة ، لأنها كانت تعتقد ان اللغة العربية هي من العوامل الأصيلة في حضارتنا الشرقية المرجوة .
وقد اتصف اسلوبها اللغوي ، بالصدق والجمال وبالمثل الرفيعة .
رحلتِ ياسيدة سليمى بهدوء ، فيما كانت الحياة لاتزال تضج في داخلِك، ساعية دوماً لإحداث شعلة من الحماس والنشاط عند الكثيرين والكثيرات ، للتقدم نحو المستقبل
كانت حياتها ساطعة كالشهاب القوي الذي إنطفأ فجأة ولكن روحها ستظل معنا . نستوحي منها مبادىء الحق لما أرادته في وطنها من حرية ومحبة وأمان وإزدهار .
كانت تؤمن بلبنان الحوار والتواصل ، وبلد النخب والمبدع للثقافة والريادة الفكرية والاجتماعية . لبنان الطوائف المجتمعة في طائفة واحدة موحدة لبنان التسامح والإعتدال ، لبنان الوحدة الوطنية والإنسانية .
انسحبت من الحياة ونحن لا نزال نتخبط بصعوبات وعوائق تقف في دربنا لتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتنمية التي ننشدها .
أصدقك القول يا فقيدتنا الغالية ، أننا نشعر اليوم بجفاف الحياة وقساوتها وأن الأشياء حولنا فقدت قيمتها ولم تعد تعنينا تفاصيلها لأن ما نشهده في العمل الوطني العام ، في السياسة وفي الثقافة ، من تلاعب خطير في سلّم القيم وبالمعايير الوطنية والثقافية والأخلاقية يجعلنا نشعر بالأخطار المحدّقة بلبناننا إذا لم نضع لأنفسنا المعادلات الثقافية والأخلاقية ونحدّد موجباتها الوطنية والسياسية بما يتلاءم مع إقتناعاتنا وأخلاقياتنا وكراماتنا ، وإذا لم يتمكن أهل الحل والربط من لملمة شتات الوطن داخل الوطن وخارجه سنخسر لبنان
فالشراكة الوطنية الحقيقية تستحق اكثر من تضحية دون التوقف على بعض النجاحات الجزئية
وأخيراً لن ينساك المجلس النسائي اللبناني رائدة من رائداته ، ولن تغيب ذكراك طالما نحن نعمل على تحقيق ما نذرت نفسك له وما حلمت به بمسيرتنا الإنسانية إلى ان تمّر بنا الأيام .
تحية إلى روح فقيدتنا الغالية التي حلمت بقيم إنسانية رغم أننا في وطن يعيش في الظلمة ، وإنما لا ننسى الشموع التي أضأتيها عند كل منا لنرى النور ولو بشعاعه القليل .
فواجبنا اليوم ان نحصّن انفسنا في محاربة الفتن ، ولنطالب بالعيش بكرامة ، في وطن تسوده العدالة والحرية والسيادة والإستقلال ولنعزّز وحدتنا الوطنية لنحميه . من الأخطار المتربصة به وبنا جميعاً.
رحمة الله عليك واسكنك فسيح جنانه ونقدم تعازينا إلى عائلتك الكريمة وندعو لها بالصبر ومتابعة مسيرتك الإنسانية
.
رئيسة المجلس النسائي اللبناني
أ. د. آمان كبارة شعراني