حصنٌ هوى و علمٌ باقٍ
بقلم رئيسة المجلس النسائي اللبناني
الأستاذة الدكتورة أمان كبارة شعراني
فقد لبنان و العالم العربي الإسلامي مرجعية وطنية روحية كبرى الراسخة بالعلم ، العلامة السيد محمد حسين فضل الله المرجع المجيد ومرشد الإنسان.
نفتقد برحيله طلائع الدعاة الى الوحدة الإسلامية لنصرة الحق والعدالة ومقاومة الظلم والعدوان وداعماً من أبرز دعائم قيام لبنان نموذجاً للتعايش بين الحضارات والأديان.
الخساة كبيرة والفراغ مخيف. فلم يقصّر يوماً ولم يبخل في عرض أفكاره وفتاواه المضيئة ومواقفه الدينية التي تخطت مساحات الإعجاب به حدود المسلمين وأضافت الى الفكر الإسلامي صفحات مميزة ستتوارثها الأجيال . فهو لم يكن رجل دين تقليدياً بل اجتمعت فيه جملة من المزايا والمناقب حوّلته الى علم مؤثر ترك بصمات لا تمحى خلال بضعة عقود من الزمن قضاها في خدمة الشأن الإسلامي. عاش الإسلام في خطّ المسؤولية و حركة في خط العدل.
انطلق في المفاهيم الأخلاقية والإنسانية التي تساهم في رفع مستوى الإنسان على الصعد كافة ارتكازاً الى قيمة العدل ومواجهة الظلم. أما حركته الفقهية والعقائدية فانطلقت من القرآن الكريم كأساس وقد فهم القرآن الكريم على أنه كتاب الحياة الذي لا يفهمه إلا الحركيون.
تميّز بالعلم والثقافة والأدب الرفيع والأخلاقيات والإيمان ، وما زرعه طوال أيام عطاءاته انتج انفتاحاً على الآخر وبث الدعي في بدايات انطلاقة صحوة إسلامية.
ورغم الصراع التاريخي الكبير بين العلم والدين ، استطاع أن يقرّب بين المفهومين بمنهجيّته التي شكلت المعطيات العلمية الحديثة عنصراً عاماً لتحديد الرؤية الفقهية لديه.
واجه قوى التحجّر الفكري التي ترفض الإنفتاح وبخاصة قضايا المرأة التي لم يرقَ لها منهج التجديد الفكري والفقهي ودعا سماحته الى أعمال العقل والإجتهاد في الحوادث التاريخية و الشعائر المذهبية والفتاوى الفقهية، ووقف صامداً دفاعاً عن انفتاحه على الجميع ودعواته المستمرة الى الحوار.
كان لي الشرف أن أكلف بإعداد ما كتبه و حاضر فيه عن المرأة في إطار موسوعة تجمع السياسي والإجتماعي و الإقتصادي. لقد قمت بجهد كبير ولكن متواضع لجمع كل أفكار وأقوال السيد عن المرأة من مصادر و مراجع جاءت في خطاباته و محاضراته و كتبه و نشراته الإعلامية وفتاويه ، وحاولت أن أصنفها تصنيفاً يسهل على الباحث أو القارىء الإطلاع عليها في موضوعات أساسية تناولت المرأة الإنسان والمساواة والحرية وحقوق المرأة المسلمة وواجباتها ، دور المرأة المعاصرة في نظره المرتكزة على مبادىء المفهوم الإسلامي .
أرجو الله أن أكون قد أديت قسطاً بسيطاً من جمع جزء من تراث السيد الزاخر بالفكر والعميق والقلب الواسع والروح الطاهرة والمواقف الجريئة تجاه المرأة المعاصرة والرجل المعاصر لأنهما لا يفترقان في عناصر الإنسانية العميقة.
و من أقواله : أنه منذ لقائي بالإنسان في مشاكله و قضاياه والأمة شعرت أن المجتمع هو ذكوري وأنه يضطهد فعلاً المرأة بفكره بتصنيفها كإنسان حتى الدرجة الثانية واكتشفت أن الإسلام الذي تشرّبته يريد للمرأة أن تكون إنساناً حقاً ويريد للرجل أن يشعر بإنسانيتها هذه وأن يتكامل معها في انسانيته .
و هكذا توالت لديه فكرة اقتناع أنه على المرأة أن تتعلم و تبرع في العلم و أن تطلق العنان لفكرها لتكتشف الحقيقة و أن تدخل معترك التجربة تماماً كالرجل. و يرى السيد أن قيمة المرأة في حركة المجتمع ليست فقط أن تتجه إنساناً جسداً و لكنها لا بد أن تشارك في عملية النمو الإجتماعي والثقافي والسياسي كما الرجل ليتكاملا في عملية صنع الإنسان والعقل والقلب والحركة والحياة ، فإنقاذ مجتمعنا من التخلف ينطلق من جهود المرأة والرجل معاً.
رحم الله هذا الإنسان الكبير وأسكنه فسيح جنانه، وسنستضيىء إن شاء الله بفكره الخصب النيّر وسيبقى فينا دافعاً قوياً متجدداً للعمل الدؤوب المتواصل لمواجهة التحديات قي قراءة معاصرة للفكر الإسلامي تعيد للعقل دوره المعرفي وللدين مرجعيته الإخلاقية والروحية . فدورنا اليوم نساء ورجالاً مواكبة العصر بالتأكيد على حقائق الدين وثوابته وجوهره والإنطلاق من فلسفة إسلامية فاعلة تعترف بالمشاركة بين المرأة والرجل في بناء المجتمعات.
رئيسة المجلس النسائي اللبناني
الأستاذة الدكتورة أمان كبارة شعراني